كيف كان العرب يؤرخون:
لم يكن للعرب مبدأ ثابت موحّد يؤرخون به قبل الإسلام،
ولم يغنهم تقويمهم القمري ولا تقاويم الأمم المتحضّرة المجاورة لهم آنذاك.
ومن المعلوم أنهم قد أرّخوا ببعض الأحداث الكبيرة،
ومن ذلك تأريخ بناء الكعبة زمن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام نحو عام 1855 ق.م.،
وأرّخوا برئاسة عمرو بن لُحَيّ نحو عام 260م، وبوفاة العظماء منهم مثل كعب بن لؤي
نحو سنة 60م، وبعام الغدْر، وبعام الفيل وهو أشهرها نحو سنة 571م،
وبحرب الفِجَار التي وقعت في الأشهر الحرم نحو 585م،
وبتاريخ تجديد الكعبة عام 605م، كما أرّخوا بالحروب التي سموها أيام العرب
مثل حرب البسوس، و داحس والغبراء، وحرب الأوس والخزرج.
وبالطبع لم يكن ذلك مبدأً مطردًا لدى سائر العرب؛
وقد اختلف التاريخ لديهم باختلاف مواطنهم في الشمال والجنوب،
وما إذا كانوا عربًا عاربةً أو مستعربة، بل كان الخلاف بين القبائل.
لذا فالتقويم القمري الذي عُرف في الجاهلية لم يكن تقويمًا متمكِّنًا من النفوس
ومنتظمًا في حياة الناس بحيث يعوَّل عليه في تسجيل الأحداث وتأريخها باطمئنان.
وعقب قيام الدولة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم،
ظلت السنة القمرية تبدأ بالمحرم وتنتهي بذي الحجة،
إلا أنه لم يعيَّن للسنين مبدأ ثابت تنطلق منه؛ لذا نجد أن المسلمين
أعطوا هذه السنوات أسماء أشهر الحوادث التي وقعت فيها. فقد سميت السنوات كما يلي:
الأولى سنة الإذن؛ أي الإذن بالهجرة من مكة إلى المدينة.
الثانية سنة الأمر؛ أي الأمر بقتال المشركين.
الثالثة سنة التمحيص؛ أي تكفير الذنوب عقب غزوة أُحد لقوله تعالى:
?وليمحِّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين? آل عمران : 141 .
الرابعة سنة التَّرْفِئَة، ومعناها الاتّفاق وجمع الشَّمل من رفأ بين القوم :
إذا أصلح بينهم.
الخامسة سنة الزلزال، إشارة إلى ابتلاء المؤمنين وزلزالهم في غزوة الخندق
.
السادسة سنة الاستئناس؛ إشارة إلى الآية الكريمة
?لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها? النور : 27.
السابعة سنة الاسْتِغلاب، وكان فيها فتح خيبر والغلبة على اليهود.
الثامنة سنة الاستواء، وهي سنة الفتح أيضًا، وفيها كان فتح مكة.
التاسعة سنة البراءة؛ أي براءة الله ورسوله من المشركين يوم الحج الأكبر
.أو البراءة من المتخلفين عن الجهاد يوم تبوك. وهي أيضًا سنة الوفود لقدوم
أفواج العرب وفودًا معلنين إسلامهم.
العاشرة سنة الوداع؛ أي سنة حجة الوداع.
"قصة التقويم الهجري"
. ظل المسلمون يسمون السنوات بمسميات مختلفة
على نحو ما تقدم ذكره في خلافة أبي بكر، وسنوات من خلافة عمر،
فنسمع عن عام الطاعون؛ أي طاعون عمواس، وعام الرمادة،
إلا أننا نجد في السنة الثالثة من خلافة عمر بن الخطاب رسالة من أبي موسى الأشعري
عامله على البصرة يقول فيها ¸": إنه يأتينا من أمير المؤمنين كتب،
فلا ندري على أيٍّ نعمل، وقد قرأنا كتابًا محله شعبان،
فلا ندري أهو الذي نحن فيه أم الماضي•. "
عندها جمع عمر أكابر الصحابة للتداول في هذا الأمر،
وكان ذلك في يوم الأربعاء 20 جمادى الآخرة من عام 17هـ.
وانتهوا إلى ضرورة اختيار مبدأ للتأريخ الإسلامي. وتباينت الآراء،
فمنهم من رأى الأخذ بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من رأى البدء ببعثته،
ومنهم من رأى العمل بتقويم الفرس أو الروم. لكن الرأي استقر في نهاية المطاف
على الأخذ برأي علي بن أبي طالب الذي أشار بجعل مبدئه
من لدن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة،
وكذلك برأي عثمان بن عفان الذي أشار أن يكون المحرم هو مبتدأ التاريخ الإسلامي
لأنه كان بدايةً للسنة في التقويم العربي من قَبل الإسلام.
اتُخِذ أولُ المحرَّم من السنة التي هاجر فيها الرسول صلى الله عليه وسلم
مبدأً للتاريخ الإسلامي، على الرغم من أن الهجرة لم تبدأ ولم تنته في ذلك اليوم،
إنما بدأت في أواخر شهر صفر، ووصل الرسول صلى الله عليه وسلم مشارف
المدينة يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول ثم دخل المدينة يوم الجمعة 12 من ربيع الأول.
لم يكن هذا الاختيار بدعةً، إذ نجد التقويم النصراني قام على مثل هذه الطريقة؛
حيث وُلِدَ المسيح عيسى عليه السلام في 25 ديسمبر لكن اختير الأول من يناير
السابق له ـ وليس اللاحق ـ مبدأًً للسنة الميلادية؛ ذلك لأن يناير كان مبدأ للسنين
عند الرومان من قبل. وتوافق بداية التقويم الهجري يوم الجمعة 16 من يوليو عام 622م.